إعتبر الباحث المغربي الدكتور علي الإدريسي في حوار أجراه معه السيد نورالدين لشهب ,أن ما قام به الملك محمد السادس في صيف 2010 كان ينبغي أن يحدث في نهاية صيف 1958 حين كان المسؤولون الإداريون والحزبيون كذلك، الذين جاؤوا من المنطقة السلطانية إلى الشمال والريف بصفة خاصة، يعيثون في الأرض فسادا حسب تعبيره ، ويمارسون السلطة بأساليب بالية لا تختلف عما كان يمارس في أزمنة غابرة في التاريخ، وعما كان يقوم به الباشاوات الإقطاعيون أمثال الكَلاوي وغيره.
وأضاف السيد علي الإدريسي أن موظفو الدولة ومليشيات حزب الاستقلال عمودا إلى التنكيل بالناس وحرمان السكان من أبسط حقوقهم ومن الحياة الكريمة في "دولتهم المستقلة"، حين حوّلوا فرحتهم بالاستقلال إلى كآبة الاحتقلال وخططوا لتعويض الاستعمار بالاستحمارحسب تعبير السيد الإدريسي. وأكد على أنه مع رفض الساكنة واستنكارها لسلوك الاحتقلال ومنهج "الاستحمار" لجأت الدوائر الحزبية المهيمنة مع المسؤولين الأمنيين والإداريين إلى تسويد صحائف أبناء المنطقة بتقارير تصف السكان بعصاة السلطان ومساخيط سيدنا، وبأعداء وحدة الوطن، واتهامهم بنزعات انفصالية، وأنهم لا يأتمرون إلا بأوامر محمد بن عبد الكريم الخطابي الموجود في منفاه بالقاهرة.
وأضاف كذالك (حدثت الانتفاضة بعد أن مالت السلطة المركزية إلى تصديق التقارير الأمنية والحزبية والإدارية، بدل أن تأخذ بتقارير أخرى، كتقرير لجنة التحقيق الملكية التي كان يرأسها مدير الديوان الملكي. ولم تول أي اعتبار لتقرير اللجنة لمعرفة الأسباب الحقيقية لتبرّم الساكنة من سلوك الموظفين الذاهلين عن مقاصد الاستقلال، وتحُدُّ من طغيان مليشيات حزب الاستقلال التي مارست كفاحها، الذي لم تمارسه عمليا ضد الاستعمار، في التنكيل بمخالفيهم في الرأي. وكان الغائب الأكبر في تصرفات الإداريين والحزبيين هو الاحتكام إلى ميزان العقل والحكمة السياسية. فقد تم اللجوء إلى تخوين أبناء المنطقة وإطلاق يد العساكر للفتك بجزء من الشعب بقيادة ولي العهد آنذاك مولاي الحسن ومساعده العسكري الضابط الدموي محمد أوفقير. فكان جزاء الريف على استقلال المغرب كجزاء سينمّار.)
وفي الحوار نفسه أكد الدكتور علي الإدريسي أن رد الفعل على احتجاجات ساكنة الريف في تلك المرحلة هو الجدير بحمل صفة "الغضبة"، لأنها نزوة انفعالية خضعت للنفس الأمارة بالسوء. مضيفا أما ما قام به محمد السادس، الذي أدرك من خلال زياراته ولقاءاته المتعددة مع مواطني المنطقة مدى تعلقهم بقيم الحرية والكرامة والعدالة، وحبهم لوطنهم، ووفائهم لملكهم العامل على رفع الحيف عن المنطقة وعن كل مناطق المغرب ، فإنه من الواجب تصنيفه في باب "النصرة أو الانتصار لحقوق المواطنة المستعادة" التي طالما افتقدها الريفيون بسبب التقارير النمطية عن خطورة أهل المنطقة على النظام حسب ما عبر عنه السيد علي الإدريسي،
وقال الإدريسي (نتمنى أن تكون بداية لتصحيح أخطاء الماضي بالاعتماد على تقارير مضادة أو متعددة، والاستماع لأكثر من جهة من أجل تقييم الأوضاع وتقويمها، وترجمة شعار "مفهوم الإدارة الجديد" بالتالي على أرض الواقع، والانحياز للحق وأهله.)
وفي السياق ذاته إعتبر الباحث علي الإدريسي أن ما أطلقت عليه بعض وسائل الإعلام "الغضبة الملكية" أو "زلزال الحسيمة" فإنه ليس تعبيرا سليما لا في معناه ولا في مرماه؛ فالغضب سمة من سمات الضعفاء الفاقدين للقدرة على إيجاد الحلول الملائمة فكريا وقانونيا وأخلاقيا لما يعترضهم من مصاعب ومشكلات على حد قوله، ووسيلة الجبابرة المستبدين للانتقام من خصومهم.
وأضاف أن رِؤساء الدول الذين يتحملون مسؤولية قيادة شعوبهم بالسياسة المدنية ويعملون على احترام القانون الأساسي لدولهم والالتزام بتطبيق مبدإ "جميع المواطنين سواسية أمام القانون"، فإن واجبهم الأول هو محاربة الظلم والفساد بتطبيق القانون، والعمل على تحقيق العدل الذي هو أساس الملك. ومن ثمة نعتبر أن ما قام به جلالة الملك مؤشرا إيجابيا على السير في اتجاه بناء دولة الحق والقانون عمليا على أرض الواقع وليس كمجر شعار للاستهلاك الظرفي، كما أن الزلزال ظاهرة لتدمير حياة الناس، في حين أن ما حدث في الحسيمة هو بمثابة عودة للروح وللحياة يتمناها بل ينتظرها كل مواطن مغربي غيور على بلده للتخلص من آثار العداء المتبادل بين الشعب وإدارته الظالمة، والانتصار على تجار الفزع وتخويف النظام السياسي من الشعب.
ومن جهة أخرى قال السيد الإدريسي أنه يتمنى أن يكون لنصرة الحق التي بدأت بالحسيمة لها ما بعدها في جميع أقاليم المملكة، فكما كانت أحداث الريف سنتي 1958 و 1959 بداية لسنوات الجمر والقرح المتبادلين التي دفع المغرب بسببها ثمنا باهظا من حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، نتمنى أيضا أن تكون المبادرة الملكية في الانتصار لحقوق شعبه المنطلقة من الريف، ومن الحسيمة بالذات، بداية لضخ دماء نقية في هياكل الدولة وليس في زلزلتها كما روجت له بعض وسائل الإعلام عن وعي أو بدون وعي منها