بقلم بوعزى عسام
من الواضح أن زمن الشعارات الرنانة قد ولى إلى غير رجعة بالنسبة لليمين المتطرف في أوروبا، فأصبحت أيديولوجية هذه الأحزاب تأخذ طابعا نفعيا لا غبار عليه، وتغادر المواضيع التقليدية لديها وفقا "لموازنات المفسدة والمصلحة"، لتركز على فاشية القرن الحادي والعشرين حصريا على موضوع الإسلام والمسلمين، ويبدو أن هذا الموضوع سيكون الطبق اليومي للسياسة الأوروبية في السنوات القادمة.
يمكن اعتبار هذا الأمر قاسما مشتركا لخطاب اليمين المتطرف في أوروبا عموما، لكننا سنركز على الحالة الإسبانية من خلال مثالين: الأحزاب المتطرفة في كطالونيا وخوسي ماريا أثنار، الذي يمثل "لحالو" كما يقال خطابا يمينيا متطرفا ضمن الحزب الشعبي.
أما عن حزب "التكتل من أجل كطالونيا"، فيمكن اعتباره حزبا إقليميا نشأ في كطالونيا، ويمارس خطابا "مركزا" على الحالة الكطلانية.
هذا وقد أشار واحد من بين أبرز الأكاديميين المتخصصين في دراسة الظاهرة أن زعيم هذا الحزب يوسيب أنغلادا قد استفاد ماديا ومعنويا من دعم أوساط حزب التوافق والوحدة اليميني القومي في بداية مشواره. وبالتالي، فيمكن اعتباره منصة لتسريب الأفكار اليمينية المتطرفة التي لا يمكن للحزب القومي الكطلاني "المعتدل" الدفاع عنها.
أما عن خطابه، وهذا ما يهمنا، فيمكن القول أنه تناسى كل "كلاسيكيات" خطابه ضد الشواذ واليهود والغجر ليركز على السكان "من ثقافات أخرى"، ويقصد بهم العرب والمسلمين، المغاربة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة، وأيضا الوافدون من بلدان إفريقيا ما دون الصحراء ودول شبه القارة الهندية.
لكن المفارقة هي أن هذا الحزب الذي يسعى في برنامجه الانتخابي بكل وضوح مثلا (وسوف نقوم بنشر أهم ما جاء فيه في هذا الشأن لاحقا في هذه الجريدة) إلى منع السكان المشار إليهم سلفا من الحصول على الجنسية، وسحبها ممن سبق وحصل عليها بدعوى عدم الانتماء "إلى الثقافة المسيحية" مثل دول شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية، يتناسى هذه "الثقافة المسيحية" حين يتعلق الأمر بالشواذ المنتشرين في منطقة كطالونيا، حيث لا نظن أن التعاليم المسيحية الكنسية تقرها بأي حال.
أما موضوع معاداة اليهود (وليس معاداة السامية) فلا مجال له اليوم في خطاب هذه الأحزاب، لأن هذا اليمين بدأ يتحدث عن الحضارة "اليهودية المسيحية"، في نقلة فكرية عجيبة لا مبرر لها من الناحية النظرية على الأقل، سوى الابتعاد عن المواضيع التي يمكن أن تسبب له متاعب مع جهات "نافذة".
وبذلك "يكرس" الحزب كل جهده العنصري ضد الإسلام والمسلمين، و"يؤجر" خدماته لموضوع الموضة في أوروبا والعالم الغربي عامة، وهو موضوع المسلمين الذين يبدو أنهم "الحيط القصير" (الحائط القصير) كما يقول أهل المغرب، وكل من هب ودب يتسلق على ظهورنا.
وللإشارة فقط، فهذه هي "الرقابة بقفاز أبيض" التي تمارسها التيارات النافذة في الغرب على الخطاب السياسي ووسائل الإعلام، لا تقل فاعلية عن رقابة البلدان المستبدة، غير أنه من الصعب إثباتها، فإذا سولت لأحد نفسه أن يقوم بالدفاع عن أن الشواذ مجرد مرضى نفسيين يحتاجون العلاج مثلا، فإن الحرب ستعلن عليه بدء من إدارة المنبر الذي يعمل فيه، إلى زملائه في المهنة، إلى جمعيات ومنظمات الشواذ، وتتم محاربته بالطرق "الناعمة" من ركن وتضييق مالي و"تكفير" إيديولوجي، وهلم جرا.
وهذه الحدود تتحرك بقدر قوة التيارات التي تدافع عن فكرة معينة، وبقدر ما تكون هذه التيارات ضعيفة، مثل حالة المسلمين، يسهل "التجاسر" عليها لعدم وجود تبعات مكلفة بشكل من الأشكال.
أما المثال الثاني فهو "الزعيم" أثنار الذي صار يحترف ما يسمى ب"التسول الإيديولوجي"، ويلقي الخطب النارية بكل لغات الأرض، أظنه يتعلم الآن العبرية اعتبارا "للزبناء" الجدد، ليبين عن نزعة مادية لا تليق به ولا بمستوى السياسيين في إسبانيا.
فالرجل يحاول بكل الأساليب الممكنة الاستفادة من فترة رئاسته السابقة غير المأسوف عليها للحكومة الإسبانية، والتي اخترق فيها اتفاقا ضمنيا داخل السياسة الإسبانية حول المكانة التي يلزم أن يكون فيها البلد الإيبيري والصورة التي يلزم أن ينقلها إلى العالم.
فقد تبنى خطاب الليبراليين الجدد الأمريكيين المتصهين في أقصى مظاهره على عهد الفترة الرئاسية للرئيس بوش الإبن، بما في ذلك العداء للعرب والمسلمين، وأقدم على توريط بلاده في الحرب على العراق في ظل معارضة شعبية ساحقة، وغضب دولي بعد أن تبين أن الحرب استندت إلى مجموعة من الأكاذيب لتدمير بلد ونهب آثاره وتراثه الحضاري وسبل العيش لسكانه، وتركه غارقا في دوامة من العنف الطائفي والتخبط السياسي إلى اليوم.
وبلغ من تمثله لهذا الخطاب الهجوم على الماضي الأندلسي إلى إسبانيا واعتبار أن البلد الإيبيري الذي شهد قمة الحضارة الإنسانية في العصور الوسطى ، كان خاضعا لاحتلال "المتطرفين" و"الإرهابيين" المسلمين، والذين عانت منهم إسبانيا طوال تاريخها، وآخر أحفادهم هم من فجر القطارات سنة 2003.
وآخر ما اطلعنا عليه هي مبادرة هذا السياسي الذي يصر على إهانة إسبانيا باستمرار من أجل حفنة من الدولارات (كان يتقاضى مبالغ خيالية من جامعات في الولايات المتحدة ليلقي محاضرات كاملة بإنجليزية مضحكة، ولكم في يوتوب نماذج معبرة عن هذه المطارحات القيمة) هو كونه أنشأ جمعية "أصدقاء إسرائيل" للدفاع عن الكيان الصهيوني باعتباره "جزء من الغرب محاطا بأنظمة مستبدة".
اعذرونا أن نختم بفكرة متشائمة إلى حد ما، ولكننا نعتبر أن هذه الدعاية والتحريض السياسي والإعلامي اليومي ضد المسلمين يذكرنا بالحملات التي سبقت صعود الأحزاب الفاشية والنازية في أوروبا، والتي جعلت من هذا العنصر نموذج "العدو" الذي يهدد "النهضة القومية" للشعوب الأوروبية. سيقول قائل أن الظروف غير الظروف، لكني أرى أن هذا "المناخ" المسموم المتصاعد ضد المسلمين في العالم الغربي، يمكن أن يتحول إلى إجراءات عنصرية في حال وجود ظروف مواتية لانتشاره، ولا ننسى أن الأزمة العالمية في سنة 1929 تعتبر "محضن" انتشار الحركات العنصرية القومية المتشددة التي جرت أوروبا إلى ويلات الحرب العالمية الثانية وإبادة اليهود والغجر. وفي عز الأزمة، كانت التيارات النازية تصعد من خطابها المعادي للأجناس الأخرى باعتبارهم "الدود" الذي ينخر جسد الأمة الألمانية. وننصح في هذا الباب بالرجوع إلى كتاب "حوارات مع د. عبد الوهاب المسيري: اليهودية والصهيونية".
نتمنى ألا نتحول إلى يهود القرن الحادي والعشرين، لكننا نحذر أن ثمة أجواء مساعدة على هذا الأمر بصدد التهيؤ، ويلزم على الجميع أن يتعلم من دروس التاريخ لمحاولة تلافي تكرار مآسيه.
بقلم بوعزى عسام